محمد المحمدي الگيلاني
36
تكملة شوارق الألهام
المراد عنها وليس لنا دخل فيها قهرا أو اختيارا . والثانية هي التي يمكن تخلّف المراد عنها وهي المحقّقة للثواب لمن دان لها وعمل بمقتضاها وللعقاب لمن نبذها وراء ظهره . والطاعة هي الإتيان بمقتضى هذه الإرادة على سبيل الاختيار والطوع ، فيقال للمتّصف به : مطيع . والعصيان يقابل الطاعة ، فهو ترك الإتيان بمقتضى هذه الإرادة ، فموافقتها المعبّر عنها بالطاعة تكون مناطا للثواب ، ومخالفتها المعبّر عنها بالمعصية تكون مناطا للعقاب ، فما أصابك من حسنة فمن اللّه تعالى وتوفيقه ، وما أصابك من سيئة وشرّ وشقاء فمن نفسك وخذلانها بسوء اختيارك وسيجيء تفصيل ذلك عن قريب . وقالت الأشاعرة : إرادة اللّه تعالى شاملة لجميع الممكنات ، لما ثبت من شمول قدرته وكونه فاعلا بالاختيار ، فيكون مريدا لها ؛ لأنّ الإيجاد بالاختيار يستلزم إرادة الفاعل فهي شاملة وزان شمول القدرة لجميع الممكنات ، ومن جملة الممكنات ، الشرّ والمعصية والكفر ، فيكون تعالى مريدا لها - والعياذ باللّه - فاختلط عليهم أمر التشريع بالتكوين ، فوقعوا في مغالطة فاضحة حتى أسندوا القبائح إلى إرادته تعالى ، وشاغبوا فيه ، فقالوا : لو أراد اللّه الإيمان من الكافر والطاعة من العاصي - وقد صدر الكفر من الكافر والمعصية من العاصي - لزم عدم حصول مراد اللّه تعالى مع حصول مراد الكافر والعاصي ، فيكون اللّه تعالى مغلوبا ، والتالي باطل بالاتّفاق . هذا ، مع قوله عزّ وجلّ : وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ « 1 » وقوله : إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . وأيضا إنّه تعالى إذا علم عدم وقوع شيء ، فعلم استحالة وجود ذلك الشيء ، وإرادة الأمر المحال محال عليه تعالى ، للزوم العبثيّة . وأجاب المصنّف رحمه اللّه عن تلك الشبهات وقال قدّس سرّه : « وبعض الأفعال مستند إلينا - كما سنبيّن ذلك - والمغلوبية غير لازمة ، والعلم تابع للمعلوم » يعني : أنّ تخلّف الإرادة التشريعية عن المراد لا يلازم مغلوبيّته تعالى في إرادته التكوينيّة كما سبق الفرقان بينهما .
--> ( 1 ) . يوسف ( 12 ) : 21 .